غادي ألغازي
أقيمت الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة عام 1977 بدافع وعي الحاجة الى بناء جبهة نضال واسعة. لم يكن أساس التحرّك مجرّدًا، بل ان نجاح جبهة الناصرة التاريخي في الانتخابات المحلية وجبهة النضال الواسعة التي أقامتها لجنة الدفاع عن الأراضي، والتي بلغت ذروتها في يوم الأرض 1976، أثبتا أن بإمكان جبهات النضال الواسعة تحقيق إنجازات هامة وتقوية اليسار الحازم. ولكن من المهم التفكير مجددًا بالمنطق السياسي الاجتماعي العميق الكامن خلف إقامة جبهات، وخصوصًا الآن إذ تستعدّ الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة لانتخابات السلطات المحلية. فالجبهة ليست فقط وسيلة طوارئ تستخدمها قوى اليسار لأجل توحيد الصفوف ضد خطر داهم، مع أن توحيدًا كهذا هو أحيانًا ضرورة يفرضها الواقع. ففكرة توحيد جميع القوى التي تحمل موقفًا مشتركًا، في مرحلة محددة، لأجل عزل الخصم هي فكرة أساسية ومنطقية؛ إنها أحد حجارة الزاوية في كل ممارسة سياسية.
مع هذا، فمنطق النشاط خلف اقامة جبهات يسار، أعمق من ذلك، ولا يقتصر على فترات الطوارئ. فهو لا يتلخص في التوجه الدفاعي بل إنه تحرك هجوميّ يحاول اختراق الطريق الى قلوب جماهير جديدة. وفي أساسه محاولة تجنيد أشخاص لنشاط مشترك حول مصالحهم الاجتماعية. فعقد تحالفات بين أجسام سياسية لعزل الخصم هو تحرّك معروف منذ القدَم. أما إقامة وحدة نضالية محلية حول مصالح عينيّة فهو أحد الاستراتيجيات الأساسية في الممارسة السياسية اليسارية، والتي تطمح الى احداث تغيير اجتماعي، محاربة اللامساواة، تقوية المقموعين والربط ما بين نضالاتهم - بدون تمويه هويتهم وتجربتهم المختلفة. من هنا، فهي تنطوي على أهمية كبرى من حيث اقامة وحدة نضالية بين أشخاص حقيقيين، حول مصالح اجتماعية ملموسة. فالوحدة النضالية نفسها هي مركّب في عملية التغيير الاجتماعي - لأن النضال الاجتماعي يغيّر المشاركين فيه أيضًا.
النضال هو جزء من عملية التغيير السياسي، فالأشخاص الذين فصل بينهم الانتماء المختلف الى أجسام سياسية، يكتشفون مصالحهم المشتركة، ويكتشفون شركاءهم الاجتماعيين. وهنا تظهر الأجسام السياسية بكامل قدرتها وبكامل ضعفها: التنظيم الذي يثبت نفسه في النضال، الذي يقوّيه بدوره، يجد نفسه يزداد قوة. وتروح تلك المصالح العميقة المشتركة بين مجموعات مقموعة تتّضح في داخل العملية الجارية - ليس بفضل الوعظ بل نتيجة للتجربة النضالية. وعليه، فالوحدة النضالية لا تُبنى من الآخِر - عبر مفاوضات هدفت مسبقًا الى ضمان أن يكون كل من يشارك في نضال محدّد قد وافق مسبقًا على جميع مبادئ وتفاصيل الرؤية؛ بل إن الوحدة النضالية تُبنى من الأسفل، من قلب المصالح العميقة والأهداف العينية. إن الاتفاق على المسائل "العامة" يُبنى من داخل العمل المشترك حول المسائل الملموسة. وأهم الأسئلة حين يتم اختيار شركاء في جبهة نضال، ليس من أين يأتي الشريك أو الى اي حد هو شريك كامل في فرضياتنا الفكرية - بل الى أين يتّجه وما هو موقفه في النضال المحدّد الماثل أمامنا.
لجميع هذه الأمور معنى مميّز بالنسبة للناشطات والناشطين في هذه البلاد الممزقة. لن نجدّد في مسألة محاولات التفرقة بين المقموعين بمساعدة الولاءات التقليدية وتوزيع الفوائد. فيمكن العثور على هذا في كل مكان. ولكن في البلاد، يسهّل تعمّق العنصرية والتمييز عملية تقسيم النضالات وسحقها. مثلا، عرض حفنة من الحقوق الإضافية على يهود "سيئين" هم ليسوا يهود بما فيه الكفاية - كيلا يأتلفوا مع عرب؛ عرض بعض التسهيلات على "عرب جيدين" كي لا يعبروا عن أنفسهم كجزء من أقلية قومية. وما لا يقلّ أهمية عن هذا: إن سياسة الخوف تسمح باستخدام التهديد الخارجي، والصراع القومي عمومًا، بغية منع تطوّر نضالات بإمكانها زعزعة أرضية الفصل القومي التي تقوم البنية الاجتماعية عليها في اسرائيل. فمرّة تلو الأخرى يُذكّرون العمال المضربين بعدم "التصرّف بما يخدم العدو"؛ يذكّرون من يطالب بمخصصات أولاد عادلة للجميع بأنه لا يوجد ما يكفي منها - وستتمتع بها، والعياذ بالله، عائلات حريدية ومسلمة.
في مثل هذه الظروف، لا يمكن التوقُّع من جميع شركاء النضال الممكنين أن يأتوا وقد اتفقوا مسبقًا على "الأمور العامة". من يبحث عمّن يوافق معه مسبقًا، قد يجد نفسه المرة تلو الأخرى يتحدث مع نفسه - أو مع من يتفقون معه على "الأمور العامة" ولكن من غير استعداد للمخاطرة بأي شيء لأجلها، لأنها أمور بعيدة - وليست أمرًا فوريًا ضمن ظروف حياتهم الحقيقية.
لو كانت الممارسة السياسية اليسارية تتلخص في عقد تحالفات، فلنبحث لأنفسنا عن حلفاء جاهزين مسبقًا، من الموافقين أصلا على "الأمور الصحيحة"! سيكونون قلائل، والأهم أن من سيوافقون على الأمور العامة سيكونون أولئك الذين يدفعون أدنى ثمن لسياسة الموت التي نعيش في داخلها، ويدفعون أدنى ثمن للخصخصة وسحق المنظومات الاجتماعية، أي الذين يمكنهم السماح لأنفسهم بعرض موقف "متنوّر" في الأمور العامة لأنهم يتمتعون برفاهية نسبيّة، بعيدًا عن مصاعب الحياة اليومية. بكلمات أوضح: إن ممارسة سياسية يسارية "عمومية" كهذه تتوجّه دائمًا للبحث بين اليهود عن شركاء من الطبقة الوسطى المتنوّرة، الأشكنازية والمثقفة بمعظمها.. ولا أستخفّ بذلك. ففي قضايا ملحّة وملتهبة مرتبطة بحقوق الانسان، وفي محاولة تقليص الأضرار والاحتجاج ضد المظالم - هؤلاء هم الأقرب الى مواقف اليسار. ولكن النضال الاجتماعي ليس جمعًا للتواقيع على عريضة تضامن، ولا يتلخّص في "التعبير عن موقف" أو احتجاج. فالنضال الاجتماعي ينطوي على قوة حقيقية للتغيير، لأن المشاركين فيه يحضرون اليه كل ما لديهم، تاريخهم - وكذلك المستقبل الذي ينتظرهم. وبالتالي فهو مكان للتغيير الاجتماعي، مكان يكتشف الأشخاص فيه أنفسهم وحلفاءهم من جديد. إن ما مرّ في هذه البلاد الممزقة على من انخرط في النضال ليس لطيفًا وليس جميلا.. هذه هي الندوب التي خلّفتها العملية الكولونيالية، من اذلال وخضوع، من انفصال واستعلاء - وهي آثار عميقة يمكن العثور عليها لدى عرب ويهود، لدى شرقيين وأشكناز. إنها آثار تتفاوت لدى المستضعفين قياسًا بالأقوياء، لدى أصحاب الحقوق الاضافية قياسًا بمن يتعرضون للتمييز - لكنها آثار عميقة في المجتمع ككلّ.
إن الممارسة السياسية اليسارية التي تسعى الى بناء وحدة نضالية يجب أن تفسح مكانًا لأشخاص حقيقيين كهؤلاء، بما يشمل التاريخ المحفور في حياتهم، ذكرياتهم ومخاوفهم. أما إذا رحتَ تنتظر الى أن يفرزهم التاريخ الرسمي؛ الى أن تُنتج دولة اسرائيل أشخاصًا أحرارًا من العنصرية وكراهية الغرباء؛ متضامنين وواثقين بأنفسهم وبقدراتهم - فستضطر الى الانتظار للأبد. ومن هنا الأهمية الحاسمة في القيام بنضالات محلية، تعرض على الناس احتمالا للتغيير، والتغيّر بأنفسهم. ليس هناك يقين بأن تسير الأمور على هذا النحو. هناك مخاطرة حقيقية في كل نضال، وهذا بالضبط لأنه يجري في الواقع الاجتماعي الحقيقي، وليس في واقع التصريحات والكلام المتخيَّل. ففي النضالات الاجتماعية يشعر المشاركون والمشاركات بكل ما حفره التاريخ فيهم. يكتشفون أنه من السهل التحدّث عن مستقبل مشترك، بينما من الصعب بناء حاضر مشترك. لكن التغيير الاجتماعي الحقيقي في الوعي، إذا ما تمّ، يتمّ في دواخلهم.
هذه هي بالضبط أفضلية النضال المحلي. محليّته معناها أنه يوجد احتمال لبلورة وحدة نضالية حول مصالح ملموسة قريبة من حياة بشر حقيقيين - وهي الوحدة نفسها التي تحاول السلطات هدمها دائمًا على المستوى الشامل.
ماذا يعني ذلك؟ - أن هناك أهمية استراتيجية للنضالات المحلية التي تتحدى الفصل على المستوى الشامل. أن الوحدة النضالية في كل مكان - وليس الوحدة لأجل الوحدة، بل الوحدة القائمة على أهداف نضالية مشتركة - هي مركزية في نشاطنا. فالوحدة النضالية الواسعة في البلدات العربية التي تناضل لنيل حقوقها مقابل تمييز ممؤسس ليست كماليّات: إنها ضرورة واقعية. وهي تستوجب أحيانًا التغاضي عن انقسامات تنظيمية وخلافات حزبية، بل أكثر من ذلك: إنها، ككل جبهة نضال، تستوجب منح أفضلية للمصلحة المشتركة التي يجري النضال لأجلها - ميزانيات او تعليم، منالية للتعليم العالي أو تخطيط بيئي - على حساب مواقف تتعلق بمسائل عامة وشاملة. حين يكون هدمٌ لبيوت يجب ألا يكون معنى للانتماء الحزبي: فنشيطو الجبهة والحركة الاسلامية والتجمع، وآخرون مُلزمون بالتوحّد حول النضال. ويمكن مواصلة النقاش حول الاختلاف في المواقف، فوحدة النشاط لا تمنع ذلك بل على العكس - إنها تفرز أحيانًا الشروط التمهيدية الأفضل لمثل هذا النقاش.
وهناك بالطبع مكان لنضال مجمل الطلاب الجامعيين العرب، لوحدة وطنية فلسطينية في اسرائيل، في وجه اقصائهم عن جهاز التعليم العالي، في وجه محاولة اغلاق دراسة الطب أمامهم، وفي وجه محاولة إخضاعهم في الجامعات. وهذه الوحدة النضالية لا تتناقض مع الشراكة اليهودية-العربية: فمن حق كل مجموعة أن تتنظّم دفاعًا عن مصالحها المشتركة، التوحّد حول تجربتها المشتركة ضد قمعها المشترك. أما نفي حق المقموعين بالتوحّد في نضالات ضد القمع المشترك الذي يتعرضون له بزعم أن هذا يعكس نزعة انفصالية، فهو خطأ؛ خطأ يقوم جزئيًا على عدم الاعتراف بتعرّضهم لقمع مشترك. صحيح، كل قمع كهذا يؤثر بشكل مختلف على أشخاص من طبقات مختلفة، فهو يؤثر بشكل مختلف بين النساء والرجال، بين الأكثر استقرارًا اقتصاديًا وبين المستغَلّين، ولذلك فإن كل قمع مشترك هو أيضًا جدل دائم حول الفروقات داخل مجموعات النضال. مع هذا، فمن غير شراكة كهذه، لن يتمكّن كل هؤلاء الذين يتعرّضون لنمط قمع مشترك من التوحّد.
توجد لهذه المسائل اسقاطات فوريّة على الانتخابات المحلية القريبة. هناك أهمية كبرى لتحالفات واسعة في السلطات المحلية، تكون قادرة على خلق أكبر وحدة في النضالات المحلية العادلة، سواء لدى جمهور المواطنين العرب أو اليهود. فهذه التنظّمات قادرة على ضم ناشطين من أحزاب مختلفة يجدون لهم مكانا في النضال. المهمّ في الأمر هو برنامج النضال - نضال ضد مديرية أراضي اسرائيل، ضد سلطات التخطيط الصهيونية وسيطرتها على موارد التطوير والعيش. هناك معنى سياسي عام لهذه النضالات المحلية، وكل محاولة لفصلها عن السياسة القطرية مصيرها الفشل.
هناك معنى سياسي عام لنضال سكان يافا ضد تهويد المدينة، ضد تحويلهم (ثانية!) الى لاجئين في وطنهم. هناك معنى سياسي عام لإفشال التحالف بين سلطات الدولة وبين النخبة البلدية المؤلفة من كبار أصحاب العقارات الذين يسيطرون على بيوت سكان كفار شاليم. لكن ديناميكية مثل هذه النضالات يمكن أن تقوم على المستوى المحلي باختراق الجدران والعراقيل التي يقف ناشطو الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة أمامها. إن مهمة الجبهة الحقيقية بعيدة المدى هي فصل الشرائح الشعبية في الجمهور اليهودي عن أوصيائهم السياسيين التقليديين، واقامة تحالفات لأجل التغيير الاجتماعي. هذا ما قامت به الجبهة في السبعينيات بين الجمهور العربي ويتوجب عليها الاستمرار بهذا الطريق اليوم. فإذا تواصلت قائمة "المدينة لنا جميعًا"، القائمة المشتركة ضد رون خولداي في تل ابيب، مع أحياء الفقر والمضطهدين ومن يعانون التمييز من عرب ويهود، سوف تساهم في ذلك الهدف بشكل جديّ.
إن الامتحان الحقيقي الأولي لجديّة الحلفاء في النضالات المحليّة لا يكمن في السؤال عن الذي صوّتوا له في آخر انتخابات - بل في أي جهة من المتراس يقفون في النضال الحالي: مع عملية السلب والطرد أم ضدها، الى جانب من يقومون بالنضال أم ضدهم. فوقوف لجنة كفار شاليم ضد سلب وطرد سكان يافا هو تحرّك شجاع على المستوى الاجتماعي، أكثر من توقيع العرائض من قبل أشخاص متنوّرين يقيمون في أجزاء أخرى من تل أبيب، ولا يدفعون ثمن مواجهة السلب والطرد اليومية، مصاعب العيش، تاريخهم وقمعهم. إن نضالا صحيحًا من قبل نشيطي الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة، يدمج ما بين أوسع جبهة ممكنة في كل مكان مع نضال عنيد وحازم ضد عمليات السلب والطرد وسياسة التمييز، سيقود في نهاية المطاف العديد من قطاعات المشاركين فيه - بما في ذلك من الحركة الاسلامية والتجمع، وكذلك ميرتس والليكود - الى الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة.